عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي
400
اللباب في علوم الكتاب
مانعة له عن فهم الكلام الدّال على صحّة الشيء ، ومانعة عن إبصار محاسنه وفضائله وهذه حالة وجدانية ضرورية يجدها كلّ أحد من نفسه . ولهذا قالوا في المثل : حبّك للشّيء يعمي ويصمّ . وإذا ثبت هذا فنقول : إن أقواما من الكفّار بلغوا في عداوة الرسول - عليه الصلاة والسلام - وفي بغضه وشدّة النّفرة عن قبول دينه والاعتراف برسالته هذا المبلغ وأقوى منه والعلم الضروريّ حاصل بأنّ حصول الحبّ والبغض في القلب ليس باختيار أحد . وإذا ثبت أنّه متى حصلت هذه النّفرة والعداوة في القلب ، فإنّ الإنسان لا يمكنه مع تلك النّفرة الراسخة والعداوة الشديدة تحصيل الفهم والعلم ، فإذا كان كذلك كان القول بالجبر لا محيص عنه . فصل [ في تفسير هذه الآيات ] وقد أورد الغزالي في الإحياء سؤالا ، فقال : فإن قيل : إني أجد من نفسي أنّي إن شئت الفعل فعلت ، وإن شئت الترك تركت ، فيكون فعلي حاصلا بي لا بغيري . ثم أجاب وقال : هب أنّك وجدت من نفسك ذلك إلّا أنّا نقول : وهل تجد من نفسك أنك إن شئت أن تشاء شيئا شئته ، وإن شئت أن لا تشاء [ لم تشأه ] ، ما أظنك أن تقول ذلك وإلّا لذهب الأمر فيه إلى ما لا نهاية له ؛ بل شئت أو لم تشأ فإنّك تشاء ذلك الشيء وإذا شئته فشئت أو لم تشأ فعلته ؛ فلا مشيئتك به ولا حصول فعلك بعد حصول مشيئتك فالإنسان مضطر في صورة مختار . واستدلّوا بهذه الآية على أنّ محل العلم هو القلب ؛ لأنّه تعالى نفى الفقه والفهم عن قلوبهم في معرض الذّم . قوله تعالى : وَلِلَّهِ الْأَسْماءُ الْحُسْنى فَادْعُوهُ بِها الآية . وهذا كالتّنبيه على أنّ الموجب لدخولهم جهنم هو الغفلة عن ذكر اللّه . واعلم أنّ قوله : وَلِلَّهِ الْأَسْماءُ الْحُسْنى مذكور في أربع سور : أولها : هذه السّورة . وثانيها : آخر الإسراء قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمنَ أَيًّا ما تَدْعُوا فَلَهُ الْأَسْماءُ الْحُسْنى [ الإسراء : 110 ] . وثالثها : أول طه : اللَّهُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ لَهُ الْأَسْماءُ الْحُسْنى [ طه : 8 ] . ورابعها : آخر الحشر لَهُ الْأَسْماءُ الْحُسْنى [ الحشر : 24 ] . والحسنى فيها قولان ، أظهرهما : أنها تأنيث : « أحسن » والجمع المكسّر لغير العاقل يجوز أن يوصف به المؤنث نحو : مَآرِبُ أُخْرى [ طه : 18 ] ولو طوبق به لكان التّركيب « الحسن » كقوله : مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ [ البقرة : 184 ] .